علي الهجويري
195
كشف المحجوب
دائما أنه ما دام كل شيء مقدار فلما ذا يشتغل الأحرار بخدمة المرشدين ؟ فقال لي الشيخ يا بنى قد علمت ما جال بنفسك ، أعلم أن لكل قضاء سببا ، لأنه إذا أراد اللّه تعالى أن ينعم بالتاج والمملكة على رأس صعلوك منحه التوبة ، وخصه بخدمة أحبابه ، حتى ينال بذلك عطية الكرامة ، وكان يقول لي مثل هذه العبارات الجميلة كل يوم . توفى رحمه اللّه في بيت الجن ، وهي بلدة في مقدمة ممر جبلى بين بانياس ونهر دمشق ، ولما كان على فراش الموت ، كان متكئا برأسه على صدري ، وكنت في ذلك الوقت أشعر بالضيق من عمل قام به أحد أصدقائي نحوى ، فقال لي يا ولدى : سأقول لك عبارة في العقيدة ، إذا تمسكت بها نجوت من المتاعب والمصاعب : « لا يغضبك ما صنع اللّه ، ولا تأس له في قلبك » ، ولم ينطق بعدها وخرجت روحه رحمه اللّه ورضى عنه وسقاه صوب رضوانه . 7 - ومنهم الأستاذ الإمام زين الإسلام ، أبو القاسم عبد الكريم بن هوزان القشيري كان عجيبة زمانه ، وله مكانة عالية ، ومقام كبير ، وحياته الروحانية ، وفضائله التي لا تحصى معلومة لأهل عصرنا . وله تآليف كثيرة ، وعبارات دقيقة ، كلها في حقيقة التصوف ، وفي كل فرع منه . وقد حفظ اللّه لسانه وجوارحه من الحشو . سمعت أنه قال : « مثل الصوفي كعلة البرسام ، أوله هذيان ، وآخره سكون » . يعنى أن حال الصوفي يكون على وجهين : الوجد ، والرؤيا ، فالرؤيا للمريدين . والتعبير عنها يكون كالهذيان ، والوجد لأهل التمكن ، والتعبير عنه محال . فإذا كان المريد ما يزال في دائرة البحث نطق بإشارات عالية تبدو كالهذيان حتى لأهل الهمة . أما إذا وصل فإنه يسكن ، فلا يمكنه التعبير بكلمة أو بإشارة . مثال ذلك سيدنا موسى عليه السّلام كان قصارى مراده النظر إلى اللّه ، فعبر عن ذلك قائلا : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ « 1 » إن هذا التعبير عن الرغبة
--> ( 1 ) سورة الأعراف : آية 143 .